ElieAntoun

   ! لقد انتهينا 

 

.إنتهينا إلى أبشع مصير. إلى حضيض القعر سقطنا وهوينا

 

هذه حالنا في لبنان، بين أمسٍ مأزومٍ وغدٍ مجهول، فيما الحاضر يترنّح ما بين بين. الحالة الدّاهمة للأزمة الإقتصاديّة تنال منّا ليس فقط في أوضاعنا المعيشيّة، ولكن في إستقرارنا المجتمعيّ أيضًا لتهدّد إستمراريّة المجتمع اللّبنانيّ برمّته، بمكوّناته وطاقاته البشريّة، بهويّته ووجوده. الهجرة الجارفة تستنزف ما تبقّى من الشّباب، فالطّائرات تمتلأ بجحافل المغادرين من غير رجعة، فيما الزّوارق تغرق بمن رأى فيها للهرب وسيلة. مقابل كلّ هذا، بعد مرور أكثر من سنة على بدء الأزمة، أحزابٌ تتفرّج على إنهيار الإقتصاد وتلاشي المجتمع دون أيّ رؤيةٍ سياسيّة إقتصاديّة إجتماعيّة تطرحها كأساسٍ لعملها السّياسيّ اليوميّ . لا تملك هذه الأحزاب الحلول، حتمًا، لأنّ الحلّ قد يكون بتنحّيها عن السّلطة بعد أن فرّغت الحكم من أيّ نقاشٍ سياسيّ إجتماعيّ هادف، وأصبحت هي فارغة. وإن صحّ تسميتها أحزابًا قانونًا، إلّا أنّنا في لبنان ليس لدينا سوى مؤسّسات / دكاكين طائفيّة بحلّة أحزابٍ تقليديّة تعمل على شراء الوقت لتأجيل الأزمات، حفاظًا على بقائها على حساب بقاء المجتمع

 

أين نحن إذًا اليوم من الأمل فيما الإحباط لا غالب عليه؟ ماذا يعني الأمل أو غيابه فيما الإنهيار يستمرّ كأنّ لا قعر له؟

 

 

ألأزمة كنافذة إلى الأمل بالتّغيير

 

ألأزمات بأوجهها تختلف، وتتشابه بتماثلٍ واحد يفسح للأمل مكانًا فيها. فكلّ الأزمات تترافق مع التغّيير؛ ذلك لأنّ الأزمة بحدّ ذاتها إنعكاس ا لنهاية نظامٍ ما كان سارٍ في وقتٍ سابق وفقد قدرته على الإستمرار، فكانت الأزمة. في لبنان، الأزمة هي نهاية المنظومة الإقتصاديّة الّتي كانت قائمة وبدأت بالإنهيار منذ نحو السّنتين. لذلك التغّيير بعد الأزمة هو أمر واقع لأنّه يتمثلّ بالإنتقال من حالة قديمة إلى حالة جديدة، ليست بالضّرورة أفضل من سابقتها. فالتغّيير ما هو إلّا فرصة إن اغتنمت كان الخلاص، وإن هُدرت كان هلاك المجتمع. ولسنا في هذا الصّدد لا متشائمين سوداويّين، ولا متفائلين كذلك، بل ساعين وراء القراءة الواقعيّة الموضوعيّة حتىّ لا يحلّ بنا مصير مجتمعاتٍ تحوّلت أو زالت.

 

المثال الفنزويلّي قد يكون الأكثر تمثيلًا لعواقب إنسحاب الأزمة الإقتصاديّة على تبدّد المجتمع. فمع التضّخّم الجامح للأسعار في فنزويلّا ، واشتداد الجوع والمرض والجريمة والوفيّات والهجرة من البلاد، "فنزويلّا أصبحت بحقّ مثالًا رئيسًا على الكيفيّة الّتي يمكن أن يؤدّي بها الفساد وسوء الإدارة الإقتصاديّة والحكم غير الدّيمقراطي إلى معاناة واسعة النّطاق"، بحسب ما ذكرت مؤسّسة بروكينجز الأميركيّة. ورغم أنّ الأزمتين اللّبنانيّة والفنزويليّة مختلفتان من حيث المسبّبات المباشرة، إلّا أنّ أوجه الشّبه بينهما مقلقة لجهّة إنكار وجود الأزمة بدايةً في البلدين وخفت أصوات المحذّرين منها. لكنّ الأزمة الفنزويليّة لم تعرف إلّا أن تفضح نفسها بنفسها، فتجلّت سريعًا في الفساد السّياسيّ المفضوح، والتدّهور الحادّ لقيمة العملة الوطنيّة، والنّقص المزمن في الغذاء والدّواء، وإغلاق الشّركات، والبطالة، وتدهور الإنتاجيّة، وإنتهاكات حقوق الإنسان. ها هي التدّاعيات نفسها بدأنا نتلمّسها في لبنان. فهل نتعّظ ونعي خطورة المآل المريع قبل أن نصبح فنزويلّا الشّرق مع 90 % من سكّانها تحت خطّ الفقر، وأكثر من النّصف عاجز عن تلبية إحتياجاته الغذائيّة الأساسيّة، وبأعلى معدّل عالمي لجرائم القتل؟

 

لا هو التغّيير مستحيل، ولا الأمل فيه ساذج إن كان مقرونًا برؤي ة واضحة وخطّة إجرائيّة محدّدة. برهاننا على ذلك دول بتركيبات إجتماعيّة معقّدة كلبنان إنتقلت بإقتصادها من الأزمة إلى الإزدهار. رغم أنّه لا يجمع شعبها لغةٌ أو قوميّةٌ أو تاريخٌ مشترك، تمكّنت سنغافورة أن تتحوّل من دولة مستنقعات إلى أقوى إقتصادات العالم بفضل تشبّثها بموردها البشريّ والإصرار على التعّليم للجميع بأيّ وسيلةٍ ممكنة. سنغافورة ذات ال 725 كم 2، الأصغر من لبنان حجمًا، حقّقت نموًّا إقتصاديًّا بلغ ٧٫٩ % عام 2020 ، فيما لبنان يسجّل إنكماشًا إقتصاديًّا حتىّ - 12.٧ ٪، ويقدّر بالوصول إلى - 14 % خلال عام. هنا أيضًا قد لا تتشابه أزمة لبنان بسواها، لكنّ العبرة تبقى في مسيرة التغّيير في دولٍ وقعت ثمّ نهضت.

 

اليوم، وبالرّغم من خيباته ومن إنكساراتنا، علينا برؤية الأزمة كفرصة تستثمر للتغّيير الإيجابيّ في توقيتٍ يُمكن اعتباره الأفضل للعمل السّياسيّ الحقيقيّ والمثمر. ففي أحلك الأزمات وأشدّها، أيّ نقطة ضوءٍ أو أملٍ بالتغيير تزداد إشعاعًا ليغلب نورها فضاء العتمة. فبحسب قول د. علي المستريحي: "الأمل يختبئ عند نهاية كلّ طريقٍ مسدود".

 

 

ما هو الأمل في الحياة السّياسيّة ومستقبل الشّعوب؟

 

الأمل من حيث التعّريف يرادف الترّقّب برجاء لتحقّق حدثٍ ما أو عدمه. أمّا في السّياسة، فيتخطّى الأمل هذا التعّريف الضّيّق ليرادف المراد أو الخيار المتخّذ عن سابق تيقّنٍ وثقةٍ بتحقّقه. أولى شروط الأمل بالتغّيير إذًا هو الإيمان بأنّ التغّيير ممكن، فلا الدّولة عصيّة على أيّ نوعٍ من الإصلاح، ولا لبنان عصيّ على أيّ نوعٍ من التغّيير.

 

في السّياسة، الأمل هو أن تمتلك أو تؤيّد طرحًا سياسيًّا، وتدفع به نحو التنّفيذ إيمانًا منك أنّ فرصه وافرة بالتحّقّق وبالعودة بالخير على المجتمع إن تحقّق. بناءُ هذا الأفق للمستقبل يحفّز الأمل في الحاضر، بينما إنعدام هذا الأفق يراكم اليأس في النّفوس ويمهّد للرّضى بأفضل الممكن. إنطلاقًا من هنا، الأمل في الممارسة السّياسيّة هو نقيض "التفّرّج" أي متابعة الأحداث من مقعد المشاهد، بل هو المشاركة الفاعلة من خلال لعب دور المساهم في الحلّ. لذا وجود الأمل أو غيابه مرتبط إرتباطًا وثيقًا بمدى إيمان اللّبنانيّين بأنّهم جزء مقرّر وفاعل في مسار تطوّر الأحداث.

 

 

المسؤوليّة السّياسيّة الفرديّة، مقوّماتها ومفاعيلها

 

دقّت ساعة الأمل!

 

إنتهينا إلى أسوأ الظّروف، صحيح، لكنّ كلّ نهاية تعلن بداية جديدة. عند هذا المفصل التاّريخيّ من مستقبل وطننا لبنان، علينا بالوعي السّياسيّ، بعدم التلّاشي، وبالسّعي إلى المعرفة وغربلة الأفكار البنّاءة، وسط فوضى الأقاويل والتحّاليل غير المجدية وضوضاء الأحزاب الطّائفيّة التقّليديّة ورجعيّتها.

 

حان وقت المحتوى على حساب الشّعارات، وتحديد الخيارات على حساب الثرّثرة. حان الوقت أن نحسم موقفنا، لا أن نتأرجح بين الخيارات متفرّجين، فيما الأمل يتر نّح بين النّجاة والسّقطة الأخيرة. علينا إذًا، وواجبنا، أن نضط لع على مختلف الطّروحات السّياسيّة الموضوعة من المجموعات والأحزاب السّياسيّة، ولا عجب في ألّا نجدها عند أيّ حزبٍ طائفيّ. علينا أن نؤيّد طرحًا ما أو أن نختلف معه، أن ننخرط في حزبٍ أو أن نؤيّده، أو أن نخطّ موقفنا منه. فليكن النّقاش الوطنيّ مفتوحًا حول الطّروحات السّياسيّة المختلفة في الإقتصاد والإجتماع، لا حول العصبويّات الطّائفيّة القبليّة.

 

إنّنا أمام واجب تحمّل مسؤوليّتنا السّياسيّة الفرديّة، فالأزمة لا تمهل والإنهيار لا ينكفأ أمام القلق وهدر الوقت. ولا الّامبالاة والإستسلام للواقع المؤقّت الرّاهن هي من مقوّمات الأمل كذلك. لن يتخطّى المجتمع ككلّ حالة اليأس، حتمًا، حتىّ يفرض واقع ا جديدًا، لكنّ على القلّة الّتي تنعم بالأمان الإجتماعيّ أن تحمل على كاهلها مسؤوليّة مصير فئات المجتمع الأكثر ضعفًا.

 

لا للإستقالة من واجبنا كمواطنين لبنانيّين، نعم لتحمّل مسؤوليّة التغّيير وحرف المسار!